مجلة فوياج الإلكترونية

رئيسة التحرير: إشراق كمال عرفة

ارتكبت خطأ مميتا .. وهذا ما حصل لاحقا

ارتكبت خطأ مميتا مقالات مجلة فوياج الإلكترونية
تم النشر في أكتوبر 20, 2019

بقلم كيت ماكلين – طبيبة نسائية وتوليد

في مهنة الطب، الكمال مطلوب. وهو أمر مفهوم تماما. لأن في حال قام الطبيب بوصف دواء خاطئ، أو تخطى مرحلة هامة أثناء الجراحة. فإن أثر ذلك قد يكون كارثيا. فمخاطر المهنة كبيرة جدا، وهي علينا مسؤولية. ولكننا نحن الأطباء، لا نودّ الإقرار، لمرضانا ولأنفسنا، أنه مهما حاولنا بكل جهدنا، لا يوجد هناك ضمانات بعدم حصول خطأ في مهنتنا. فالأخطاء تحصل حتما.

بداية القصة

في ذات صباح، كان الجو غائما وباردا. وكنت حينها مساعدة في قسم الأورام النسائية. دخلت المستشفى دون علم على أنني سأواجه الخطأ الذي غيّر حياتي، وعلى المستوى المهني والشخصي. والذي كان متوقفا على أمر بسيط: الاعتذار. كانت المريضة كبيرة في السن، تجلس على سرير المستشفى. كانت تملك عينين براقتين، وقبضة يد قوية، شعرت بها عند التسليم عليها. ذكرتني حالا بجدتي. وحولنا كانت أصوات المستشفى الصاخبة، من خلط للأوراق من قبل الممرضات، ومرور عربات الغسيل، وتزمير جهاز مراقبة دقات القلب EKG.

أمل ورجاء

كانت مريضتي تملك كيسا على مبيضها. ولم يبدو أنه ورما خبيثا. ولكن أن تتم إزالته من قسم الأورام النسائية، يعني التحضير لعمل إجراءات إضافية، حال عثورنا على السرطان، وذلك لإزالته في نفس العملية. وكانت المريضة تملك معنويات عالية، حتى أن زوجها أخبرني، أنها تنتظر الإنتهاء من الجراحة لتتمكن من الاستمتاع بوجبة برغر بالجبنة. لم أملك سوى الابتسام لهما. وتساءلت في نفسي إن كان تناول وجبة برغر في الصباح هو سر العيش طويلا. أخبرتها أنه يمكنها أن تتناول الطعام بنفس اليوم بعد الانتهاء من الجراحة. ولكننا دوما نفضل أن يكون المريض صائما قبلها. ثم همست لها بأنه لا بأس إن أرادت تأكل البرغر إن أدخلته سرا معها. ولكن تبيّن لي أنها تريد إلهاء زوجها، كونه كان قلقا عليها من هذه الجراحة، والذي اعترف لي بخوفه عليها.

على طاولة العمليات

فال زوجها: “إننا متزوجان منذ 51 عاما. وبعد أن تقاعدت، لم نفترق عن بعضنا سوى بضع دقائق هنا وهناك. وكم أتمنى البقاء معها أثناء الجراحة”. ونزلت الدموع من عينها. فوضعت يدي فوق يديهما المتشابكة. وقلت له: “أعدك أنني سأهتم بها جيدا يا سيدي”. وعلى طاولة العمليات، بدأت المريضة أكثر ضعفا وهي نائمة. وبينما كان يضع المشرف معنا قفازاته، ورداء العمليات، بدأت انا والمتدربة الجراحة، من خلال إدخال إبرة التنظير Veres Needle، داخل سرة المريضة. وفي بطنها، وبالطريقة التي علمتها إياها. وهذه هي الخطوة الأولى في جراحة تنظير البطن، باستخدام مساعدة روبوتية. حيث من خلالها يتم العمل باستخدام روبوت للتحكم بالأدوات الدقيقة، والتي يمكن إدخالها في شقوق ضيقة.

انهيار المريضة

وتقريبا في اللحظة التي أدخلنا في إبرة التنظير، سمعت أخصائي التدخير يلهث من وراء الستار: “إنها تنهار!”. وكان الدقيقتان اللتان مرتان بعد ذلك، عبارة عن فوضى كاملة؛ بدأت بضغط صدرها، بينما أكد المشرف أن إبرة التنظير لم تسبب أية نزيف داخلي. وكل ما كنت أفكر فيه، هو رغبتي الشديدة، أن تتمكّن المريضة من إمساك يد زوجها ثانية.

عودة نبضات قلبها

وعندما أخبرني أخصائي التخدير أن قلب العجوز، عاد لينبض من جديد، شعرت بالراحة، أشبه باستراحة المحارب. ثم قمنا بفحص بطنها بحذر، وكان كبدها متوسعا، وبارزا أسفل مما هو متوقع. وعند الحافة السفلى، كان هناك ثقب صغير، بالكاد مرئي. تساءلنا حينها جميعا وبصوت عال، فيما إن كانت إبرة التنظير قد احتوت على هواء، ودخل إلى الوعاء الدموي في كبدها.

اكتشاف السبب

حينها قال المشرف: “لهذا السبب عاد قلبها بسرعة إلى النبض من جديد، عندما قمت بإنعاشه. فلو كان هناك هواء في قلبها، فلن ينبض بشكل جيد. ولكن مع ضغط الصدر، تم دفع الهواء ليتبدد خارجه”. لم نسمع قبل ذلك، عن مثل هذه المضاعفات، ولكنها بدت معقولة. ولله الحمد، سارت بقية العملية دون أية حوادث أخرى. كما لم يكن هناك وجود للسرطان، واستقرت حالة المريضة.

التعافي

أمضت المريضة الليلة في قسم العناية المركزة، وفي صباح اليوم التالي، كان مستيقظة وجالسة على السرير. كانت مشرقة بصحة، وذراعيها ممتدتان بثبات على شرشف السرير. قلت لها وأنا داخلة إلى غرفتها: “لا تعلمين كم أنا سعيدة لرؤيتي لك بصحة جيدة”. فقالت: “لقد سمعت أن جراحتي كانت مثيرة. أشعر ببعض الألم، ولكن بخلاف ذلك، أنا جيدة”.

أكبر خطأ ارتكبته

شعرت بغصة، كونني توقعت هذه اللحظة، ولكن لم أتحضر لمواجهتها. ولا أعلم بعد ما الذي عليه فعله. في الليلة السابقة، راجعت الأشعة المقطعية قبل إجراء الجراحة، ولاحظت أن كبدها كان متوسعا بشكل ملحوظ. ولكن لم يتم ملاحظة ذلك من قبل اخصائي الاشعة، ولا لأي أحد من فريق الجراحة. لقد كان أكبر خطأ ارتكبته. ولم أتعلم في كلية الطب، كيفية التحدث مع المريض حول مضاعفات العملية. ولم أشهد قط قيام مشرف بالاعتذار إلى مريض. ولم أعلم إن كان السبب هو الخوف من الدعوى القضائية، أو لأن الاعتقاد السائد هو أن الأطباء لا يرتكبون أي خطأ؟ على أي حال، شعرت أن تلك اللحظة، تجعلني أخرق القاعدة.

الاعتذار للمريضة

قلت لها: “أعتذر لأنني لم ألحظ أن كبدك كان بذلك الشكل قبل أن نبدأ الجراحة”. وتوا، بدأت عيناي تملئهما الدموع. وللحظة، شعرت أن الأرض أسفل مني قد اختفت، وهويت دون أي قيد. فلا عودة الآن لما أخبرتها به. فنظرت إلي المريضة، وهي تدقق في وجهي، وأخذت يدي في راحة يدها، وقالت: “عزيزتي، كلما تقدمت بالعمر، أدركت أكثر أن لا شيء هناك مؤكد. لقد علمت أن شيئا ما قد يحصل أثناء العملية، عندما وافقت عليها. المهم أنكم تمكنتم من حل المشكلة. وأنك تهتمين بهذا الشكل”. ضغطت حينها على شفتاي، وكلي أمل أن تجف عيناي من الدموع، واجبتها بعد أن استرجعت الثقة للتكلم: “أنت لست فقط قوية، وإنما حكيمة”. قالت لي المريضة: “متى يمكنني إذن تناول البطاطس المقلية؟”. 

الاعتراف بالخطأ فضيلة

لقد علمتني هذه المريضة أن الاعتراف بالخطأ فضيلة، لا أنني طبيبة فظيعة. حتى أنني تعلمت كيف أصبح أفضل في عملي. لقد لمست خوفي عليها، ومدى اهتمامي بعافيتها. وعلى مدى التاريخ، أظهرت الأبحاث أن الجراحيين لا يناقشون أخطاءهم مع المرضى، ربما لأنهم يبالغون في تقدير خطر مقاضاتهم. وبالرغم من قيامي بالاعتذار بناء على غريزتي، فقد بينت آخر البيانات، أنه عندما يتم الكشف عن الأخطاء، وتحمّل مسؤولية ذلك امام المريض، فإنه من المستبعد قيامه برفع دعوى قضائية. فالتواصل الأفضل يقلل من كلفة تحمل المسؤولية. كما أن للاعتذار له نتائج قانونية أفضل. لذلك الاعتراف بالخطأ، والقيام بما يجب، هو الأفضل للجميع.

أصبح الاعتذار أسهل

منذ ان تمكنت من كسر الجليد، أصبح الاعتذار بالنسبة لي أسهل. لم أعد الان في التدريب. أصبحت لوحدي مسؤولة عن رعاية مرضاي. وعندما يحصل شيء خاطئ، يكون أثره ثقيل عليه. ولكنني أملك القدرة على تحمل المسؤولية، وعلى إنشاء محادثة صادقة حول الخطأ الذي حصل مع المريض، وبكل ثقة. ولا أحاول إخفاء مشاعر الحزن والندم أو حتى الأسف. فمرضاي يعلمون ذلك.

الاعتذار في حياتي الشخصية

تخلل الدرس الذي تعلمته، إلى خارج المستشفى. فأنا زوجة أب لمراهقة ذكية، تعيش معنا. وعندما دخلت حياتنا أول مرة، كنت مذعورة من فكرة أن أخذلها. فلم أكن أعلم شيئا عن الأمومة لابنة ناضجة، ظهرت فجأة في حياتي. لقد أصبحنا معا لثلاثة أعوام حتى هذه اللحظة. وبالرغم من ارتكابي للأخطاء طيلة الوقت، إلا أن ذلك لم يمنعنا من التقارب. ومثل بقية الأهالي، فإنني أغضب عندما أقلق عليها، وكأن صراخي عليها سيمنعها من ارتكاب الأمور الخطرة والتافهة، والتي ينجذب إليها عادة معظم المراهقين. علي مراجعة انتقاداتي الذاتية أيضا. لأنها لا تتوقف عن المشاهدة والتعلم. فأنا أريدها أن تحب نفسها كما هي، وبالطريقة التي أحبها أنا أيضا. لذلك عندما لا أتمكن من أكون قدوة لها، أكون حينها متفتحة للتغيير، وأعتذر لها.

الجميع يرتكب الأخطاء

الجميع يرتكب الأخطاء، ومنهم الأطباء. ومنها الأخطاء الكبيرة، وتلك الصغيرة. ولن تكون نهاية العالم في حال اعترفنا بالخطأ. وستصبح علاقاتنا أفضل، ليس فقط عند الاعتراف بالخطأ، وإنما أيضا عند تحملنا لمسؤوليته.

هذه المقالة مترجمة، للاطلاع على النص الأصلي، من هنا.

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر مجلة فوياج الإلكترونية