القوّة والسلطة: بين النظرية والتطبيق ((السيرة النبوية نموذجاً))

الفوة والسلطة مقالات إشراق كمال عرفة مجلة فوياج الإلكترونية
تم النشر في نوفمبر 10, 2019

بقلم إشراق كمال عرفة – رئيسة التحرير

لا تدرك الكثير من الناس المعنى الحقيقي لمفهوم القوة والسلطة، فتظن أنها تعني الحكم بالسوط والنار. وربما السبب في ذلك، يعود إلى انتشار الأنظمة الدكتاتورية عبر الزمان وإلى يومنا هذا. مثلا، كانت هناك أنظمة طبقية كالفرعونية التي قسمت الناس إلى خمس طبقات، أعلاها الحكّام وأخرها العبيد، وأخرى استبدادية كالرومانية التي ابتزت أموال شعوبها لرفاهية حكامها دون غيرهم. وفي العصر الحديث، لا تكاد تخلو دولة في المنطقة العربية من هذا النوع من الأنظمة، والتي نجدها تشترك جميعها في تأليه الحاكم واستعباد الشعب، ومنعه من حرية التعبير والمطالبة بحقوقه.

صفات الدولة المتسلطة

ولكن، نجد واقع تلك الدول “المتسلّطة”، وقد أعياها الضعف في تحقيق الوحدة الداخلية والاستمرارية، وفي فرض الولاء على شعوبها. وهذا ما حصل عندما فشلت الفرعونية في التوسّع، وانحدار الحضارة الرومانية إلى ما دون النامية، لاعتمادها على الاستهلاك. مما أدى إلى فقرها علميا وتقنيا. وفي عصرنا، نجد معظم دول المنطقة العربية مفككة، وفاشلة بسبب هروب العقول منها، وقمعها للحريات واضطهادها للعلماء، مما أدى إلى انتشار الفساد والفقر والعنصرية فيها، وهدر لمواردها من سوء توزيع وسرقة واستغلال. إضافة إلى تبعيتها للدول الأقوى منها والتي تعمل باستمرار على تحديد اقتصادها وتعليمها ودوائها وحتى مصيرها!

صفات الدولة المتقدّمة

وعلى صعيد آخر، نجد أنظمة دول العالم المتقدمة مثل أمريكا، اليابان، وألمانيا تملك قوة حقيقية قادرة من خلالها على بسط سلطتها ونفوذها على شعوبها. فنجدها تملك قوة اقتصادية وعلمية وعسكرية، والتي من خلالها تعمل على التحكّم في مصير الدول والشعوب الأخرى. ومن المثير في هذه الأنظمة اتباعها لنظام حكم مبني على أسس ومعايير مشابهة لتلك التي جاء بها النبي محمد – صل الله عليه وسلم-. فما هو المعنى الحقيقي للقوة والسلطة؟ وما تطبيقاتها في السيرة النبوية الشريفة؟ هذه المقالة تحاول الإجابة على ذلك:

أهمية اختيار قائد للأمة

لأي أمة تريد النهوض والتمسك بزمام أمورها أن تملك قائدا. والسبب بحسب نظرية أبراهام ماسلو(1943)، هو حاجتها لمن يعينها على البقاء ولدرء عنها الاعتداء؛ مثل توفير الغذاء والأمن والأمان، إضافة إلى مساعدتها في إيجاد معنى لوجودها، يحفزها على العمل والإنتاج والطاعة. ولا يعني ذلك أن القائد سيكون قادرا على تحقيق ذلك لوحده، وإنما هو أيضا، سيكون بحاجة إلى مساعدة الآخر والتعاون معه لتحقيق ذلك. وهذا سبب تمايز البشر؛ ليتعاونوا فيما بينهم لما فيه الخير لهم: ” وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)” – المائدة.

سبب اختيار السيرة النبوية نموذجا للقوة والسلطة

مع تعدد القادة المميزين عبر الزمان، في الشرق والغرب من أمثال: توماس جيفرسون والمهاتما غاندي ونيلسون مانديلا وغيرهم، قمنا باختيار سيرة الرسول – صل الله عليه وسلم – كنموذج للقوة والسلطة لعدة أسباب، منها:

1. قدرته على إيجاد قوة عظمى من العدم، والتي تمكنت من بسط نفوذها في العالم لعدة قرون. فالرسول – محمد صل الله عليه وسلم – أعظم قائد لأعظم أمة عرفته البشرية، وبشهادة العديد من الأعلام ومن غير المسلمين، مثل برنارد شو، و ج. ﻫ . دنيسون.

2. الحثّ على اتباع سنته: ” لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ (21)” – الأحزاب. فالنبي عليه الصلاة والسلام، أفضل قدوة في كل شيء؛ من خلق وأسلوب حياة وتعامل مع الآخر، وقيادة للأمة، وغيرها. وهنا سنركز على الجانب القيادي له وهو أهم جانب.

3. دحض افتراء انتشار الإسلام بالسيف، وبأنه ضعيف لا يواكب العصرية ولا النهضة الفكرية، والتي انتشرت في كتب المستشرقين، من أمثال كارل بروكلمان، وليوليوس فلهاوزن، وتوبي هاف، وغيرهم.

صفات القائد

على القائد التمتّع بصفات قيادية محددة، وبالرغم من تضارب النظريات حول الصفات القيادية المطلوبة بين أنها صفات موروثة فقط ولا يمكن اكتسابها مثل (نظرية الرجل العظيم – توماس كارليل)، وأخرى أفادت بإمكانية تعلّمها كـ (نظرية السمات – رايموند كاتل) وغيرها، إلا أن جميعها افتقرت للإثبات التطبيقي. ولكن قبل ذلك بقرون ظهر نموذج قيادي ناجح واقعيا ومتكاملا وقادرا حتى على إلهام الآخرين، وهي شخصية الرسول محمد – صل الله عليه وسلم-، وفيما يلي أبرز سمات شخصيته القيادية:

1. قوة الشخصية

وتعني معرفة الصح من الخطأ، والشجاعة الأخلاقية لفعل كل ما هو صواب، وتجنّب كل ما هو خاطئ، وبغض النظرعن المزايا الناتجة عن القيام بالفعل اللاأخلاقي. فمثلا، نجد أن الرسول – صل الله عليه وسلم- قد رفض عروض قريش عن طريق عتبة بن ربيعة للتخلّي عن الدعوة في بدايتها، من مال وعز وملك ونساء وغيره.

2. التحلّي بالأخلاق الحسنة

وذلك حتى يتمكّن القائد من التأثير على الآخرين، وهذا ما أشار إليه ستيفن كوفي، في كتابه الأفضل مبيعاً حول العالم: “العادات السبع لأكثر الناس كفاءة”، فالشخص ذو الخلق الحسن هو من تفضل الناس التعامل معه على أي أحد آخر، فهي تكره الكاذب والمخادع وتقطع علاقتها معه، ولذلك كان الرسول – صل الله عليه وسلم- أفضل الناس خلقاً؛ لقوله تعالى: “وَإنَّكَ لعَلى خُلقٍ عَظيم (4)” – القلم. كما عُرف -عليه الصلاة والسلام- بالصدق والأمانة حتى قبل البعثة، فقد قبلت الأطراف المتنازعة من قريش تحكيمه في وضع الحجر الأسود، بقولها في الإشارة إليه عند وصوله إلى الكعبة: “هذا الأمين، رضينا به حكماً”.

3. المعرفة والحكمة

وذلك ليتمكن القائد من توجيه الناس لما فيه الخير لهم، واتخاذ القرارات السليمة في وقتها ودون تردد. فبحسب صاحب أفضل الكتب مبيعاً حول العالم “القيادي الملهم”، على القيادي الملهِم التفوق بعلمه وحكمته على غيره. وعلى الرغم من أميّة الرسول الكريم، فإن الله تعالى أنزل عليه الحكمة، والعلم الغزير بما يتعلّق بقيادة الأمة، وذلك عن طريق الوحي، سيدنا جبريل عليه السلام، قال تعالى: ” مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5)” النجم. وقد حاولت اليهود اختبار علم الرسول -صلى الله عليه وسلم- أكثر من مرة، مثل سؤاله عن عقوبة الزاني المحصن، وإشارتهم على قريش بسؤاله عن أهل الكهف وذي القرنين والروح. فالرسول كان معلماً وبشيراً ونذيراً، وبيّن أن العلماء ورثة الأنبياء، وأهمية توليهم لمناصب الحكم؛ بقوله – صل الله عليه وسلم-: “مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء، يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة”، ولذلك يشترط في القادة تفوقهم في الدين، وأن يكونوا من العلماء في حكم الشرع؛ ليتمكنوا من توظيف خبرتهم وحكمتهم في تسيير أمور الناس لما فيه الخير لهم، وإن تخلّفوا على ذلك فلا شرعية لهم؛ لما سينتج عن ذلك من ظلم على العباد، وتشتت شملهم، وانهيار أمتهم. من جهة أخرى، على القائد الملهم عدم التصرّف خارج حدود معرفته، والإقرار بوجود من هو أعلم منه في مجالات الحياة الأخرى، وهذا ما بيّنه الرسول – صل الله عليه وسلم- بقوله: “ما كان من أمر دينكم فإليَّ، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به”.

4. طلب المشورة والعمل بها

على القائد استشارة الآخرين، واتخاذ القرار الذي تم الإجماع عليه، وهو من الأهمية البالغة لما له من أثر في إشعارهم بقيمتهم واحترامهم، ولكسب ثقتهم وإخلاصهم، إضافة إلى إتاحة الفرصة للاستماع إلى الأفكار الجديدة وتشجيع المبادرة والإبداع. قال تعالى: “وَالَّذِينَ استجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38)” – الشورى. وكان الرسول –صل الله عليه وسلم- يستشير صحابته في أكثر من موضع، وفي ذلك قال أبو هريرة: “ما رأيت أحداً أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله – صل الله عليه وسلم-“، حتى قبل أن يعيّن الولاة والأمراء وقادة الجيش كان -عليه الصلاة والسلام- يستشير المسلمين في ذلك، كما استشار أصحابه في اختيار مكان غزوة بدر بقوله: “أشيروا عليَّ أيها الناس”، وكان أن أشاروا عليه أيضاً في غزوة أُحُد بقتال المشركين بدلاً من التحصّن داخل المدينة، وعمل بنصيحة الصحابي سلمان الفارسي بحفر الخندق في غزوة الأحزاب. كما كان -عليه الصلاة والسلام- يأخذ برأي زوجاته أمهات المؤمنين، فمثلاً، أشارت عليه زوجته أم سلمة بالنحر والتحلل من الإحرام في صلح الحديبية أمام المسلمين ليقتدوا به.

5. التواجد الدائم مع الرعية وعن قرب

لن يكون القائد ملهماً وقادراً على تحفيز الآخرين إن لم يتواجد معهم في كل الأحوال، لحل مشكلاتهم ولمشاركتهم المهام والمخاطر، فالرسول – صل الله عليه وسلم- كان يعقد مختلف المجالس في مسجده، وفي منزله، وكان يحرص على مشاركة المسلمين الغزوات. وكان الرسول – صل الله عليه وسلم- قادراً على إشعارالمسلمين بالنصر والأمان، حتى في أحلك الظروف، تماماً كما في قوله لأبي بكر، عندما اختبأ معه في الغار: “لا تحزن إن الله معنا (40)” – التوبة.

6. الرحمة

من أبرز صفات القائد، القدرة على العفو والصفح. فبحسب جيمس فانفليت، الكاتب في مجال علم النفس والإدارة، على القائد التحلي بالقدرة على ضبط النفس وعدم الإنفعال، وإلا فإنه سيحوّل أتباعه إلى أعداء بكل سهولة. وتتجلى مظاهر الرحمة في السيرة النبوية الشريفة في أكثر من جانب، منها رحمته لمن يخطئ. مثل عفوه على الصحابة عندما خالفوا أمره في غزوة أحد، وذلك بعد أن أوصاه الله تعالى بذلك: ” فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)” – عمران. والصفح صفة لا يستطيع لأحد من امتلاكها بسهولة؛ فهي تتطلب الإنسانية من الشخص ليتمكّن من تفهّم دوافع الآخر وتقدير ظروفه واحتياجاته، قال تعالى: ” ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)” – فصّلت. وهذا ما فعله الرسول – صل الله عليه وسلم – عندما قام حاطب بن أبي بلتعة بإفشاء سر غزوه لأهل مكة من خلال كتاب أرسله مع امرأة من المشركين، وعندما واجهه الرسول أخبره أن السبب هو خوفه على أهله، فصدّقه وأطلقه ومنع عمر بن الخطاب من قتله والآخرين من همزه ولمزه.

7. الحماس والتفاؤل

إن لم يساعد القائد الآخرين على استشعار رؤية أفضل للمستقبل، فلن يتمكّن من تحفيزهم والتأثير عليهم، وهذا ما كان يفعله الرسول – صل الله عليه وسلم- بوصف ثواب الجنة التي أوجدها الله تعالى للمتقين، وبحثِّ المسلمين على التنافس فيما بينهم لنيل أعلى درجاتها. وهذا كان السبب في نصرة أبي الدحداح لليتيم الذي شكا نخلة جاره، بمنح كامل مزرعته للجار، مقابل التنازل عن نخلته لليتيم، ليعوضه الله بمزارع لا تعداد لها في الجنة!

بناء التحالفات

يقول جيمس فانفليت صاحب كتاب (القوة المطلقة مع الناس) أنه لا يكفي لتحقيق القوة والسلطة امتلاك الصفات القيادية، إذ ينبغي التعاون مع الآخر للنجاح، وتجنب افتعال الأزمات معه، وذلك من أجل درء الاعتداءات الداخلية والخارجية ولتحقيق الأمن والسلام. والسيرة النبوية الشريفة حافلة بمختلف التحالفات التي أنشأها الرسول عليه الصلاة والسلام والقبائل من أجل حماية الدولة الإسلامية، وزيادة رقعة سلطتها، ولدرء الاعتداءات عليها. وذلك من خلال المعاهدات التي وقعها معهم. وفيما يلي نبذة عن تاريخ التحالفات في السيرة الشريفة:

1. إستمالة القياديين

في بداية الدعوة الإسلامية بمكة المكرمة، دعا الرسول – صل الله عليه وسلم – الله تعالى بنصرة الدين الإسلام بإسلام أحد العمرين: عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام، الملقّب بأبي جهل، لما يتمتع كلاهما من قوة، وذلك عندما اشتدت عليه الدعوة وخشي من اندثارها، فكان أن استجاب الله تعالى له، وأسلم عمر بن الخطاب، حينها بدأ الإسلام يظهر للعلن وبدأت تثبت جذوره.

2. دعوة الأشخاص المحوريين

بدأ الرسول – صل الله عليه وسلم – بدعوة رؤساء وقادة قريش (الأشخاص المحوريين) لاختصار الجهد والوقت في الدعوة الإسلامية، من أمثال أبي جهل وأبي سفيان وأمية بن خلف، ولما لهم من تأثير على بقية الأفراد. وذلك بعد أن أوصاه الله تعالى بذلك؛ أي بدعوة عشيرته الأقربين. إذ لا يستطيع القائد السيطرة على كل الناس، ولكن إن تمكن من التأثير على الأشخاص المحوريين، فإنه سيتمكّن من ذلك.

3. معاهدة صلح وسلام

عقد الرسول – صل الله عليه وسلم – مع يهود المدينة (بني عوف)، أول معاهدة صلح معهم، بمجرد وصوله إلى المدينة، لسببين: بيان رغبته في مسالمتهم، ولدرء الاعتداء عن المسلمين. وكان لهذا التعايش السلمي أثره على التبادل التجاري معهم والتواصل بينهم من خلال مختلف المجالس لاستمالتهم إلى دين الإسلام. وفي صلح الحديبية تمكّن الرسول – صل الله عليه وسلم – من تحقيق السلام لأمته لعقد من الزمان، ومن العودة إلى مكة لأداء الشعائر الدينية، ودعوة كافة القبائل العربية للتحالف مع الإسلام دون خوف ولا وجل.

4. الزواج

لجأ الرسول – صل الله عليه وسلم – إلى الزواج كوسيلة أخرى لاستمالة القبائل. مثل زواجه من صفية بنت حيي بن أخطب، وجويرية بنت الحارث من بني المصطلق. فقد كانتا من السبي، فأعتقهما الرسول وتزوجهما لتوثيق علاقته بالقبائل وتكريما لهما.

نيل الطاعة


أعط الإنسان رغيف خبزه وكرامته وخذ منه كل شيء

 
لا يستطيع القائد أن ينال طاعة الأمة بالأمر والجلد! إذ سيعمل ذلك على إيجاد الفرقة بين الأفراد، وسيعزز لديهم نوزاع التمرد والثورة. وهذا ما سجله التاريخ من ثورات حول العالم، كالفرنسية والكوبية والإيرانية وغيرها. فنيل الطاعة هي عملية تتطلب فهم الآخر، واحترامه، وتقديره، وتلبية احتياجاته الفيسيولوجية التي سبق توضيحها. فلكل إنسان حقوق على القائد عليه تلبيتها ليمنحه الطاعة. وبحسب نظريات المفكّر جاك جاك روسو، وتوماس جيفرسون التي قامت عليها ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، يجب توفير الحرية والمساواة والأمن وسيادة القانون للجميع. والإسلام بيّن أن هذه الحقوق ضرورات ليتمكّن الإنسان من القيام بالخلافة.

الحرية الفكرية

تمكّن الإسلام من تحقيق الحرية الفكرية، وذلك من خلال دعوة الناس إلى التفكّر والتأمل، بقوله تعالى: ” قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (101)” – يونس. كما لم يفرض الرسول الإسلام بالإكراه، فالله بعثه ليكون مبشرا ونذيرا: ” وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (54)” – النور. وبيّنا سابقا كيف أن الرسول – صل الله عليه وسلم – كان أكثر الناس مشورة للآخرين، في شكل من أشكال الحرية الفكرية التي كان يمنحها للآخر.

العدل

لا يتم تحقيق السلطة دون تحقيق العدل بين الناس؛ وذلك من خلال معاملتهم سواسية دون تفضيل فئة على أخرى. فالإسلام أمر بتقسيم الثروات بينهم بالعدل ومنع بيع مصادر الماء والنار. كما نفّر الظلم بقول الرسول – صل الله عليه وسلم-: (من أخذ شبرا من الأرض ظلما، طوقه إلى سبعين أرضين). وقد شمل الله تعالى أشكال العدل بقوله جلّ وعلا: ” قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)” – الأنعام.

إنشاء جيش من المخلصين

لا يستمع العقل حتى يستمع القلب


بهذا المفتاح يتمكّن أي قائد من استمالة الناس ونيل ثقتهم وإخلاصهم. وبحسب فانفليت، فإنه ينبغي على القائد معرفة ما يريده الآخرون وما يحركهم ليتمكّن من نيل إخلاصهم. لذلك على القائد العمل على تحقيق المصلحة الشخصية للتابعين له قبل مصلحته. ويشترك الجميع عادة في طلب الكرامة والعدالة والمساواة.

حقوق الإنسان

والإسلام أول من رفع من شأن حقوق الإنسان، والمرأة على وجه التحديد، من خلال تحريم الربا والبغاء ووأد البنات. كما ألغى العنصرية والتفاخر بالأنساب بقوله الشريف: (لا فرق بين عربي ولا أعجمي ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى). ولذلك نجد أن الفرقة الأولى التي لحقت بركب الإسلام كانت من الملونين والفقراء والنساء.

التواصل الدائم

كما في التواصل الدائم مع الأمة وتحفيزها وتذكيرها بأهمية الإخلاص والثواب، الأثر في المحافظة على إخلاصهم وولائهم. وكان الرسول – صل الله عليه وسلم – يحرص على التخاطب الدائم مع المسلمين، وبكلمات بسيطة بعيدة عن التعقيد تلمس القلوب قبل العقول. مثل: (فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق من تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف). كما سبق وتم ذكر تفاصيل أخرى في قسم (صفات القائد) أعلى هذا المقال.

ما هي القوة والسلطة؟

بحسب نظرية ابن خلدون للدولة، فإن هلاكها يأتي من الدعة والترف، والبعد عن اتباع الحق. فمتى نزح الاهتمام بالإنسان إلى البنيان والعمران على حساب الرغيف والكرامة، سيبدأ الضعف ينخر بالدولة، وستسقط بأيدي المرتزقة! وفي كل الحضارات التي اندثرت والأمم التي أبادها الله، جاء هلاكها نتيجة ظلم وجور حكامها، واستعبادهم لشعوبها؛ مثل مدين وثمود وفرعون وغيرهم. وكما قال الرسول – صل الله عليه وسلم -: (إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها). فالقوة والسلطة ليست تلك التي تجبر الناس على الرضوخ للظلم، وإنما التي تسهر على خدمتهم فـ (خادم القوم سيدهم). والإسلام الوحيد الذي رفع أمته إلى مراكز القيادة العالمية، وأمدها بالقوة لفتح أقاصي الأرض، وذلك لأنه جعل الناس جميعا متساوون تحت راية التوحيد، وسيادة القانون المستمد من الشريعة الإسلامية، فتحققت لهم الرفاهية، والفوز في الدنيا والآخرة.

* تم نشر هذه المقالة في عربي بوست