دروس تعلّمتها من السفر حول العالم

ما تعلمته من السفر مقالات مجلة فوياج الإلكترونية
تم النشر في نوفمبر 24, 2019

بقلم Mark Manson – صاحب أفضل الكتب مبيعا

انتهى عقد الشقة التي أسكن فيها، وقمت بشحن بضعة صناديق إلى منزل أمي. ثم وضبت حقيبة سفر على أمل أن تكفيني لعدة أشهر، وسافرت في 2009 عبر المحيط الأطلسي. وكنت أملك حينها أقل من ألف دولارا أمريكيا في حسابي البنكي.

باريس: المدينة المضيئة La Ville-Lumiére

كانت أول محطة لي هي باريس. كنت أعاني من الانفصال عن صديقتي، ومن بيع كافة ممتلكاتي، ومن إدارة عمل على الإنترنت، بالكاد حقق لي أية أرباح. كنت أمشي في شوارع باريس، أو المعروفة باسم المدينة المضيئة La Ville-Lumiére. ولم أكن حينها أعي أو أدرك قيمة ما حولي.

باريس المدينة المضيئة La Ville-Lumiére مقالات مجلة فوياج الإلكترونية
باريس، والمعروفة باسم المدينة المضيئة La Ville-Lumiére

التنقّل بين الأماكن حول العالم

بالنهاية، أصبحت أموري أفضل. واستمررت في التنقّل بين الأماكن حول العالم. تاركا باريس وأحزاني خلفي. لقد انتقلت إلى بلجيكا، ثم إلى هولندا، ومنها إلى ألمانيا، وبراغ. ثم عدت إلى موطني أمريكا لبضعة أشهر، لأسافر إلى أمريكا الجنوبية، ثم إلى جنوب شرق آسيا. واستمررت في التنقل لأصل إلى أستراليا، وأمريكا الوسطى، وأوروبا الشرقية، ثم مرة أخرى، أمريكا الجنوبية. وعلى مدى خمس سنوات، تمكنّت من زيارة 55 بلدا، ومن إنشاء عشرات الصداقات الجديدة، ومقابلة المئات من الأشخاص، وعيش المئات من التجارب الرائعة. كما أنني تمكّنت من التحدّث بلغتين أثناء ذلك.

ما لم أتعلّمه من السفر

إن ما تعلّمته من السفر، ليس هو ذاته ما يتعلمه معظم الناس ويخبرون العالم به. فلن أقول لك كيف اكتشفت مهمتي في الحياة، أو مدى سعادة أطفال أفريقيا الجياع، ممن يلعبون بالقمامة ويتغوطون داخل العلب. ولن أقول لك كيف اكتشفت أهمية وجودي. وبالتأكيد لن أخبرك كيف فهمت نفسي وما أريده في هذه الحياة. فالسفر مثل أي طريق تختاره في الحياة. فيه السعادة والحزن، فيه الإيجابيات والسلبيات، والنجاح والفشل. وما سأقوله لك هو أن ترحالي لمدة خمس سنوات كان أكثر القرارات تحديا وإثمارا التي اتخذتها، والتي لن أندم عليها.

ما تعلّمته من السفر

في السفر تتعلم الكثير. فأنت تتعلم عن الناس، والعالم، وعن الحياة. كما أنك لا تتعلم دوما ما تتوقعه. فأحيانا تأتيك الدروس في أوقات غير مرغوبة، لتعطيك حقائق غير مرغوبة. وأحيانا تتعلّم أشياء لا يمكنك التراجع عنها، ورؤية أمور لا يمكنك أن تزيلها من الذاكرة. ولكنك تنضج أكثر. وهذا ما تعلّمته من السفر، الذي جعلني أكثر نضجا:

1. السعادة موجودة في كل مكان

عندما تذكر موضوع السفر، فإن أول ما يخطر في بال لدى الكثير من الناس، هو طالب جامعي ثري، يسافر إلى بلدان العالم الثالث، لرؤية الفقراء والعراة يلعبون في المجارير باستخدام ألعاب مصنوعة من الخيوط والعصي المكسورة. ثم يظن أنه يمكن إسعادهم بهدية ما أو بوجبة من البيتزا. لا الحال ليس كذلك. فالسعادة موجودة في كل مكان، وكل شخص قادر على إيجاد طريقة لإسعاد نفسه مهما كانت البيئة التي يعيش فيها. وهذا ما أظهرته الأبحاث النفسية. فالناس قادرة على التكيّف وإيجاد السعادة في الكثير من المواقف، بغض النظر عن حالتهم المادية وثقافتهم ووضعهم السياسي. فالسفر قلل لدي تقديري للسعادة. فعندما غادرت بوسطن في 2009، كانت أهدافي تتمثل في تحقيق اللذة الشخصية، مثل الاحتفال بكثرة، مقابلة أشخاص مسليين، والقيام بمغامرات مجنونة. ولكن مع مرور السنوات التي نضجت فيها، وجدت أن الفكرة حول الشعور بالرضا مبالغ فيها. فالسعادة موجودة بالوقت الذي تغيّر فيه نظرتك للبيئة من حولك. فهي موجودة في البحر، والجبل، وحتى في وسط الصحراء.

2. الكرامة ليست شائعة كالسعادة

لقد كانت الكرامة نادرة الوجود في الكثير من مناطق العالم. لقد وجدت الكثير من الناس التي يتم استغلالها، تجاهلها، غشها، ضربها، تشويهها، قمعها، وإسكاتها. فأولئك الأطفال الفقراء الذين كانوا يلعبون في المجارير، سيكونون محظوظين إن وصلوا لمنتصف العمر دون التعرّض للعنف، أو الإدمان، أو لمشاكل صحية. وفي الثقافة الأمريكية، نركّز على أن نشعر بالرضا طوال الوقت، إلى درجة أننا ننسى وجود أمور أكثر أهمية في العالم من الشعور بالسعادة أو الترفيه. والسفر ساعدني على رؤية أشياء أكثر أهمية من السعادة والمتعة. وجعلني أكثر وعيا بالكثير مما يحدث من الظلم والقسوة، ليس فقط حول العالم، وإنما لدى الجار القريب منا، دون أن يلقى ذلك ملاحظتنا. هذا الوعي جعلني أكثر سعادة بشكل عام. وذلك من خلال جعل القيم الأخرى، من التواصل الاجتماعي، وحرية التعبير عن الذات، والصدق، أكثر أهمية من امتناني الخاص حول الإشباع وتحقيق السعادة.

3. السفر يمنحك نظرة أكبر للحياة، ولكنه يقلل من قدرتك على الإلتزام بالأشياء

إن الشيء الرائع في السفر هو منحك القدرة على رؤية الصورة الكاملة للأشياء، وذلك برؤية الطرق المختلفة التي تتداخل فيها الثقافات، وتتصادم مع بعضها البعض. وكيف تلاشت التيارات المختلفة التاريخ ، وعملت على تقوية البناء الاجتماعي لكل دولة في موقعها الجغرافي. كما تجد أن ما ظننته خاصا فقط بدولتك، موجودا في كل مكان تقريبا. كما ستكتشف أن الناس واحدة. تملك ذات الاحتياجات، والرغبات، ونفس التحيّزات التي تحرّض التعساء على بعضهم البعض. كما تدرك أنه مهما تعلمت، هناك المزيد مما تجهله. وستدرك عجزك على اكتشاف كل شيء، لأنه كلما توسعت تجربتك حول العالم، تصبح أقل معنى. كما ندرك أن لكلمة ما القدرة على تحديد أحدهم عاطفيا وجغرافيا. وأن هناك نقطة ما في عمق التجربة والمعنى يمكن الوصول إليها، ليقول أحدهم: “ها هي. هنا أنتمي”. السفر الدائم يمنحك عالم كامل من التجربة، ولكنه يأخذ منك عالما آخر في المقابل.

4. أفضل شيء في البلد أو الثقافة .. هو بالعادة الأسوأ أيضا

في عام 1965، تم منح سنغافورة الإستقلال. وكان شعبها فقيرا، وغير متعلما، ولا يملك أية موارد طبيعية. وأدرك رئيسها الجديد، أنه عليه التصرّف بسرعة ليتمكّن من تحويل هذه الجزيرة الصغيرة، إلى مكان حيوي. فعملت الحكومة على التركيز بشكل كبير على النجاح في كل من: التعليم والتجارة والمال. فأنشأت ثقافة مبنية على النمو الاقتصادي السريع. وتم بناء مدينة لجذب المستثمرين الأجانب، والمصرفيين، والتجار العالميين. لقد كانت شبيهة بمدينة ديزني للأغنياء الأجانب. أو بالأحرى كالجنة التي يأتون إليها بأموالهم، ولا يريدون مغادرتها. وسنغافورة اليوم، من أغنى البلاد في العالم. وهي شبه خالية من الجرائم والفقر. وعندما زرتها، شعرت نفسي وكأنني زرت المستقبل. أو كما يجب عليه أن تكون مدينة مانهاتن. لقد كانت حديثة ونظيفة وكاملة. ولكن الظهور بهذا الكمال له تكلفة. فالمدينة تظهر بلا حياة، كون كل شيء تم تصميمه للكسب المادي. فليس هناك تاريخ، ولا هوية، ولا قيم عميقة. كما ليس هناك احترام للإنسان دون مال وإنتاجية. والمثير للسخرية، هو ان أكثر شيء مثير للإعجاب في سنغافورة، هو أيضا أكثر شيء مثير للإحباط. لقد كانت منقادة بشدة لتصبح مستقلة ماديا، إلى درجة التضحية بهويتها الثقافية أثناء ذلك. ولذلك فإن أي سمة بارزة لأي بلد، ستحوي على الأشياء الأكثر إيجابية وسلبية معا.

البرازيل كمثال آخر

البرازيل مثلا، تتبجح بالطريقة البرازيلية أو  jeito brasileiro التي تعيش فيها الحياة. وهي تعني القدرة على التوفير، وإيجاد أبسط الطرق للنجاح، ليكون هناك وقتا أكثر للاسترخاء، ولعب كرة القدم على الشاطئ، وتناول الكوكتيل تحت أشعة الشمس. ويفتخر البرازيليون في طرقهم بالعيش هذه الهادئة. وهذا ما يجذب السيّاح للبرازيل. فليس هناك أفضل من الاحتفال من البرازيليين، ومن قضاء العطلة مثلهم. ولكن هذا هو السبب أيضا في حالة الفوضى التي تعيشها البرازيل. فلا شيء يعمل بالطريقة التي يُفترض بها. والحكومة فاسدة تماما، والبنية التحتية لا تزال كما هي من سبعينيات القرن الماضي. إنه الأسوأ والأفضل في الثقافة البرازيلية.

البلدان الأخرى

ويمكن القول ذات الشيء بالنسبة إلى البلدان الأخرى. مثل التأدب الياباني، والصراحة الروسية، والنظام الياباني، والاستهلاك الأمريكي. إنها أفضل وأسوأ ما في تلك البلدان وثقافاتها. وعندما تكون مستعدا لتجربة احدها، سيكون عليك تحضير نفسك لتجربة الوجه الآخر لها.

5. الغالبية العظمى من العالم لا تهتم بما تقوله وتفعله

عندما يصبح كل شيء مألوفا، مثل الاستيقاظ بنفس المنزل، وشرب القهوة في نفس المقهى، والقيادة على نفس الطرق، وتحية ذات الأشخاص، والتسوق في نفس المحلات، وتناول الغداء في نفس المطعم، وغيرها، فإننا نمتلك انطباعا غير واقعي حول أهمية كافة الأشياء الصغيرة. فمثلا، إن قلت شيئا أحمقا لدى الكاشير في محل الدونات، ستظن حينها أنك ستظهر بشكل مغفل في كل مرة تذهب إلى هناك. وفي حال غضبت على زميلك في العمل، سينتابك القلق من رؤيته يوميا، وسيصبح الأمر غريبا، وسيجعله ذلك يكرهك أكثر، ومن ثم قول شيئا مسيئا، وهكذا حتى تصل إلى مرحلة لا تريد فيها مغادرة السرير. ولكن عندما تكون مسافرا، فإنك لا تنفك عن إحراج نفسك، مثل استخدام لغة غير مفهومة، ومن طلب طبقا مقززا يشعرك بالغثيان طيلة الوقت، ومن قول أشياء حمقاء عند الحيرة. والجميل في ذلك، هو أن لا أحد يهتم. فمعظم الناس لا تهتم بما تقوله وتفعله معظم الوقت، وهذا يمنحك نوع من التحرر.

6. كلما سافرت أكثر، تخسر أكثر بحثك عن نفسك

الكثير من الناس تهوى السفر، من أجل اكتشاف نفسها. وهو شيء يظهر بشكل هام وعميق، ولكنه في الواقع لا يعني أي شيء. وعندما أسمع أحدهم يريد السفر لأجل ذلك، فأرى أن معنى ذلك هو إزالة كل المؤثرات على حياته، ووضع نفسه في بيئة ما طبيعية، ثم رؤية ما سيصبح عليه بعد ذلك. ومع إزالة تلك المؤثرات الخارجية، من رئيس العمل غير المحتمل، ومن الأصدقاء التافهين، سيكون بإمكانه معرفة شعوره تجاه حياته معهم. وبالتالي فإن السفر لا يعني أن تجد نفسك، وإنما لتدرك من أنت في بلدك بشكل أفضل، وفيما إن كنت تحب ذلك الشخص أم لا. ولكن إليك خبرا غير سار: السفر بحد ذاته مؤثر خارجي سيؤثر على حياتك. فأنت لن تكون نفسك عندما تتنعم بأشعة الشمس على الشاطىء، أو عندما تكون في رحلة بالسيارة. وذلك لأن النفس قادرة على التأقلم بشكل كبير مع البيئة المحيطة. ولذلك كلما سافرت أكثر، كلما خسرت أكثر بحثك عن نفسك. وذلك لعدم وجود شيئا ثابتا لتقارن نفسك به.

متغيرات كثيرة

مع السفر المتكرر، تجد أن هناك متغيرات كثيرة في حياتك. ومن الصعب ان تعمل على عزل أحدها، لرؤية أثر البقية. فمثلا، إن استيقظت مكتئبا في يوم ما، فمن الصعب أن تعلم إن كان السبب هو شوقك لعائلتك، أو الضغط الناتج من الفشل في أحد المشاريع قبل سفرك، أو لعدم قدرتك على التحدث بنفس لغة البلد التي أنت فيها. أو ربما كنت تعاني من الاكتئاب منذ زمن، واكتشفت ذلك الآن. وبدلا من اكتشاف نفسك، تبدأ تتساءل عن هويتك. فهل كل شيء يتغيّر حقا؟ أو أنت الذي تتغير؟ السفر المتكرر، يضع هويتك في تغيّر مستمر، حيث يجعلك لا تعرف حقيقة من أنت، أو ما تعرفه.

إنه شيء جيد

إن تناقص جهدك في محاولة معرفة نفسك هو شيء جيد. وذلك لأنه يولد الشك، ومنه يتولد الانفتاح، وينتج عنه عدم الحكم. وهذا يساعدك على النضج والتطور. وعندما تصبح غير متأكدا من حقيقة نفسك لفترة من الوقت، تكون النتيجة تأمل لطيف طويل المدى. وفيها تتقبل ما يحصل لك. وتتوقف عن طرح الأسئلة، وتبدأ بالاستماع إلى نداءات الحب في كافة اللغات التي لا تفهمها. فاجعلها كما هي، واستمر في السفر.

هذه المقالة مترجمة، للإطلاع على النص الأصلي، من هنا.

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر مجلة فوياج الإلكترونية