رؤية إسلامية

رؤية إسلامية زكي نجيب محمود كتاب في صفحة مجلة فوياج الإلكترونية
تم النشر في نوفمبر 27, 2019

تمهيـــد

 يتألف الكتاب ذو الطبعة الأولى من أربعة أقسام. من تأليف الدكتور زكي نجيب محمود، ومن إنتاج دار الشروق. ويقع في 409 صفحات. والجو العام للكتاب هو تسليط الضوء على مكامن ضعف الأمة العربية والإسلامية ومكامن قوتها، أو بالأحرى إعادة برمجة للعقل العربي المعاصر، بما يتعلق بالدين والتراث والحضارة.

مشكلة اللغة

يبدأ الكاتب أفكاره بما يخالجه من أفكار حول العلاقة بين الكلمات والأشياء. فمشكلة معظم الناس، هي بعدم فهم اللغة من حيث انتقاء ما يناسب من الكلمات لوصف الأشياء، أو بالامتثال لما فيها من أوامر ونواهي، وغيرها من المعاني، فيخسر الناس بذلك الخير الكثير . ويعطي الكاتب مثالا على ذلك، من خلال قراءة كلمات الآيات القرآنية، وكيف أضحى الناس يرتلونها دون استيعاب لتطبيقها. فكان هذا سبب تخلف العرب. فمثلا في الآية “الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ”: تعني أن على الانسان السعي لسدّ جوعه بالعمل، والتخلّص من خوفه بالتعلم والتثقف. وهذه برأي الكاتب ما يتميّز به أهل جزيرته “الفاضلة”، حيث فيها يعمّ الخير والعدل لكافة الناس.

التمسك بالتراث

ثم ينتقل الدكتور إلى تعريف التراث ودور الخلف بما ورثه عن السلف. فيرشدنا إلى ضرورة التمسك بالهوية العربية والإسلامية، والتشرّب من منابع فكرها، ليتمكّن كل واحد منا بعد ذلك من الإبداع والتميّز. تماما كما حصل مع المسلمين الأوائل. فبعد أن نشأووا على الكتاب والسنّة، تمكّنوا من الاطّلاع على مختلف العلوم اليونانية والرومانية وغيرها. ثم أبدعوا في مجالات الضوء والجاذبية والنبات والفن والفلسفة والعمارة وغيرها. فلتحقيق النهضة، على المسلمين ألا ينغلقوا على أنفسهم عما يجري من حولهم، فيصبحوا كالقنافذ. ولا أن يتخيّلوا المثاليات، كما في الشعر والروايات. وإنّما أن يكونوا كالثعالب في التجوال في كل مكان والحيلة والدهاء من أجل الاستفادة حيث هو مكان الاستفادة. فالحكمة هي ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحقّ الناس فيها.

أهمية الانفتاح على الحضارات الأخرى

بيّن الكاتب نظرة الوطن العربي ﻷمريكا، وكيف أن كراهيتها من معظم العرب لدعمها للظالمين وللمعتدين. مما جعلهم يرفضون أي شيء من ثقافتها ومن حضارتها وهذا ليس بالأمر السليم.

الفرق بين العصر الحديث والمعاصر

ثمّ يتطرق الكاتب إلى الاختلاف بين العصر الحديث والمعاصر. فيشير إلى أنّ العصر الحديث، هو الذي يبدأ من القرن السادس عشر. أما العصر المعاصر، فهو الفترة من مطلع القرن العشرين وحتى وقتنا هذا. ويهدف بذلك إلى الإشارة إلى ضرورة استيعاب ما يجري الآن برؤية حديثة وليست جامدة. فظروفنا ليست كالمسلمين الاوائل. ونحن بحاجة إلى التحرك ولكن ليس بالعجلة فنخطئ. وإنما ببطء كاف لنتدبر الوضع قبل معالجته من مختلف المشكلات المستجدة. وخاصة تلك التي تواجه الفقهاء ممن يفتون للعامة.

أهمية التكامل بين المذاهب

ثم يسلّط الكاتب الضوء على تعدد الآراء والمذاهب وكيف أنّها ليست بالضرورة تختلف لأنها متضادة، وإنّما لكل منها وجهته في النظر الخاصة. فهي تُكمّل بعضها بعضا. وغير ذلك سيكون الناتج تمزقا، ولن يكون هناك أيّة خطوة نحو التطور والخروج من دائرة التخلف والعصبية. فهو برأيه أنّ الكون قائم على التوحيد، وأنّ الاختلاف، هو اختلاف الرؤى الذي هو من مشيئة الله ليكمّل بعضها بعضا وليعمر الكون. وأشار الى كتاب الغزالي (الاقتصاد في الاعتقاد)، الذي يبين السبيل عند مواجهة المعضلات لدى العلماء، فلا هو الغلو، ولا هو الانبساط، وإنّما بأخذ ما يفيد بمحاولة إيجاد أوجه التشابه لئلا تتأثر العقيدة، كما فعل الأوائل مع علوم الإغريق. وبالتالي فإنّ الكاتب يُركّز مرة أخرى على الانفتاح على مختلف العلوم والحضارات وبقاعدة قوية من الثقة والإيمان. فالعلم لا يتعارض معا الإيمان، ولا بأي شكل من الأشكال.

التطرّف الديني

إن أهم موضوعات العصر، هو التطرّف الديني. وهو برأي الكاتب ليس الانتماء إلى مذهب ما، وإنما عند فرضه على الآخرين بالإرهاب. ومن هذه النقطة ينتقل الكاتب إلى أنّ الخوف هو سبب التخلّف والجهل. فالخوف من البطش يجعل صاحبه يسدّ أذنيه وعينيه ويبني لذاته صرحا يبطش حتى بمن يريد فتحه عليه. فيطالب الكاتب بضرورة وجود الحريّة من سياسية وفكريّة لتحقيق النهضة العربية.

الدور الكبير للرأي العام في الإصلاح

بين الكاتب الدور الكبير للرأي العام وأثره على التطوّر الحضري لأي أمة. إذ أنّ المطالبات بالإصلاح والتغيير ستندثر إن خاب ظنّها الرأي العام بمعارضتها وبعدم دعمها. – وهذا ما شهده الربيع العربي عندما يدخل في نسيج مجتمع الثورة غرباء لترجيح كفة الظُلّام. ثم يذكر كيف أنّ عدم انسجام الناس ضمن المجتمع الواحد هو نتيجة لبعد المسافات بين الطبقات والتي تمتد حتى لتكون ببن فئات الطبقة الواحدة، كالتحارب بين العوائل. ومن جانب آخر فإن لسوء التربية الدينية للطفل في العائلة نتيجة انشغال ذويه، دور آخر، مما سبب انقسام أفرادها والذي يصل إلى حدّ محاربة الأخ لأخيه في كثير من الأحيان.

دور الإعلام السلبي

ثم يذكر دور الإعلام في التأثير السلبي على أفكار الرأي العام، وذلك بتشجيع الكسل والخمول وبقتل الطموح. وذكر أمثلة منها قيام مختلف وسائل الإعلام بالإشارة إلى ضرورة استحضار الماضي، وهذا شيء غير منطقي ولا يمكن حصوله كون الزمن يتطوّر كما سبق ووضّح الكاتب، إلى أنّ كل زمن له ظروفه واحتياجاته. ومثال آخر حول التيسير والتخيير. وهو موضوع فلسفي شغل علماء الكلام. فيقول كيف أنّ لنشر فكرة الإنسان لا حول له ولا قوة، وأن ما يحصل له، هو فقط نتيجة القضاء والقدر ، من شانه أنّ يثبط عزيمته، ويمنع محاولته في أي تجديد أو تحسين.

الدين والاقتصاد

ويضيف الكاتب ضمن ذات الإطار أنّ للعلاقات الاجتماعية دور في النهضة. ويركز على جانبين اثنين في ذلك: الدين والاقتصاد. فيقول أنّه يستحيل التعاون بين شخصين إن حصل التكفير لديانة كل منهما فذلك كهدم للأساس قبل اكتمال البناء. والثاني هو عدم الثقة بأي تغيير في السلطة لصالح الوضع الاقتصادي الحالي. فالثورات لا تنتج إلّا تغييرا في أسماء الشوارع والميادين. وهذا الشعور لدى العرب بزوال سريع لأي تغيير، يسدّ عليهم أبواب الأمل في العمل لفرج قريب.

العروبة والانتماء

ويختتم كتابه عن العروبة والانتماء. وكيف يجب على الإنسان أن يعي التاريخ ليعزز عنده الانتماء. وعندها تجاهد العقول الفذّة كل في بلدها التي تنتمي إليه بدلا من الهجرة. كما يجب أن تكون الأولوية للأمن والأمان بالدفاع عن الأوطان على العقيدة. معللا أن العقيدة أمر شخصي. أما كيان الدولة فهو الأساس ليتمكن الناس من ممارسة شعائرهم الدينية. – ونستذكر هنا هدف الفتوحات الإسلامية التي أرادت أن ترفع جبروت الحكّام ليتمكّن الناس من العيش بأمان ومن ثم اختيار العقيدة كل بحسب ما يشاء.- بالنهاية هو كتاب غني بالأفكار والفلسفة يوجّه إلى طرق أساسية لإصلاح الوضع الحالي لهذه الأمة.