مجلة فوياج الإلكترونية

رئيسة التحرير: إشراق كمال عرفة

معادلة بسيطة لمدى التلوّث الذي يسببه الإنسان

معادلة بسيطة تظهر مدى التلوّث الذي يسببه الإنسان
تم النشر في يونيو 18, 2019

بقلم أوين غافني

يتنافس الإنسان الآن مع قوى الطبيعة العظيمة. وأصبحت الإنسانية المحرّك الرئيسي لتغيير نظام الأرض. إذ قامت المجتمعات الصناعية بتغيير الأرض، وبشكل كبير ومساو لتأثير الكويكب! فنحن الآن في عصر الأنثروبوسين: المرحلة الجيولوجية الجديدة، التي يقوم فيها نشاط الإنسان بتغيير البيئة من حوله وبعمق. ولكن هل يمكن التعبير عن ذلك بمعادلة رياضية؟ أظن كذلك. وأرى أنه بعمل ذلك سينشئ بيانا لا لبس فيه حول المخاطر التي تتعرض لها المجتمعات الصناعية، خاصة عندما يكون التصرّف حينها لا مفر منه.

إنشاء المعادلة

ولتحقيق ذلك، قمت أنا وويل ستيفن من الجامعة الوطنية الأسترالية بوضع معادلة الأنثروبوسين. وذلك عن طريق استخدام معدّل التغيّر في نظام دعم الحياة للأرض، والذي يشمل على المحيطات، الغلاف الجوي، الغابات، الأراضي الرطبة، المجاري المائية، الصفائح الجليدية، وغيرها من مظاهر التنوع الرائعة في الحياة.

ولمليارات من السنين، كان معدّل التغير هذا والذي نرمز له بـ E، عبارة عن معادلة معقدة من القوى الفلكية A، القوى الجيوفيزيائية G، الديناميات الداخلية I. وهي تعني: مدار الأرض حول الشمس. التفاعلات الجاذبية مع الكواكب الأخرى، الحرارة الصادرة من الشمس، تصادم القارات، البراكين والتطوّر، وأمور أخرى:

معادلة التلوث مقالات مجلة فوياج الإلكترونية
معادلة الأنثروبوسين

الإعلان عن مرحلة ثالثة لتطوّر الأرض

وكان هذا المعدل ثابتا حتى الأونة الأخيرة. فإذا بدأنا من الـ 7000 سنة الماضية وحتى وقت قريب، سنجد أن الحرارة العالمية قد انخفضت بمعدل 0.01 درجة مئوية في كل قرن. وارتفع هذا المعدل في الـ 45 سنة الماضية ليصل إلى 1.7 في القرن الواحد – إنه ارتفاع خطير حقا-. أي بمقدار 170 ضعفا. وكان قد تم تسجيل السنوات الأكثر دفئا منذ عام 1998.

وكان معدّل انبعاث الكربون في الغلاف الجوي، هو الأعلى من 66 مليون سنة مضت. وأدت هذه التغييرات التي أحدثها النشاط الإنساني قيام الباحثين عام 2015 بالإعلان عن بدء المرحلة الثالثة للأرض، مرحلة الأنثروبوسين للتطوّر الحيوي للأرض. وذلك بعد مرحلة الميكروبية قبل 3.5 مليار سنة، والانفجار الكمبري قبل 650 مليون سنة. وهذا يعني أن معدل التغير الذي حصل للأرض خلال الأربعين إلى الخمسين سنة الماضية، كانت وراءها المجتمعات الصناعية بامتياز، والتي رمزنا إليها بـ H.

نشاط الإنسان المسبب لتغيّر نظام الأرض

وفي المعادلة، نجد ميل تأثير للقوى الفكلية والجيوفيزيائية إلى الصفر. وذات الشيء بالنسبة للديناميات الداخلية. ولكن لا تزال تلك القوى تملك دورا في تطوّر الأرض، ولكنه ليس بحجم تأثير نشاط الإنسان. وبذلك ينتهي الجدال حول المسببات الحقيقة بين الإنسان والطبيعة لتغيّر الأرض.

وكان أن شهدت الأرض عام 2016 ظاهرة النينو. وهو حدث كبير أثر على المناخ العالمي. ولكنه يتعادل مع ظاهرة البرودة لانينا. وبالتالي، فإن المعدل الصافي للتغيّر في نظام الأرض، هو صفر على مدى عقد من الزمان أو نحو ذلك.

علينا أن نقلق

لمدة 2.5 مليون سنة مضت، دخلت الأرض في مرحلة غير عادية إلى حد ما من عدم الاستقرار. حيث مرّ عليها عصورا جليدية، وأخرى دافئة. وبالتالي نحن لا نعيش على أرض مستقرة. وإنما على مكان يتأثر بشعرة. والمجتمعات الصناعية تتجاوز الضوابط، وتظن زيفا أنها بأمان. ولكنها في الحقيقة أخرجت نظام الأرض من استقرارها، واتجهت بها إلى المجهول.

ولذلك يجب أن يصل معدّل التغيّر في الأرض إلى الصفر، وفي أقرب وقت ممكن. وإلا فإن السنوات القليلة القادمة ستحدد مصير الآلاف من السنوات التي ستليها. ومع ذلك، لا تزال الأنظمة الاقتصادية النيوليبرالية تفترض وجود موارد لا حدود لها، على كوكب لا حصر له. إننا بحاجة الآن إلى اقتصاديات الأنثروبوسين. وفيها يتم وقف انبعاث الكربون إلى الغلاف الجوي، تعزيز التنوّع البيولوجي بدلا من تدميره، وتنقية التربة والمياه بدلا من تلويثهما.

مشروع لاستيطان البشر

في الوقت الذي من غير الحكمة فيه تجاهل هذه الحقائق، إلا أنه جاء في وقت صعب من الناحية الجغرافية السياسية. حيث يتم التشكيك في وجهات النظر العالمية القائمة على الحقائق، وحتى التشكيك في التعاون الدولي. ومن المدهش أنه في تسعينيات القرن الماضي، قام ستيفن بانون، الخبير الاستراتيجي والأيدولوجي في البيت الأبيض، بإنشاء مشروع في أريزونا لإنشاء موطن صناعي للبشر. وكان اسم المشروع Biosphere 2. وكان جزء من مهمته الإبلاغ عن غزو الفضاء للأرض. ولكن انهار التوازن في هذا المشروع بين الإنسان والطبيعة، مما أدى إلى حدوث الفوضى وإلغاء المشروع عام 1994.

ولا يعني ذلك أن الأرض، أو التي يمكن أن نسميها مشروع Biosphere 1، ليست معرضة لذات الخطر في المستقبل القريب. وربما المخاطر لن تكون أكبر، لكن المعرفة والتصرّف التي نحتاجهما لتحقيق الاستقرار على الأرض سيكونان في خطر، وخاصة في حرب الحقائق الذي نعيشه اليوم. فالتجاهل وعدم اليقين لن يكونا ذريعة للتقاعس عن إنقاذ الأرض بعد الآن.

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر مجلة فوياج الإلكترونية