مجلة فوياج الإلكترونية

رئيسة التحرير: إشراق كمال عرفة

خاص للأهل: نصائح لإنشاء جيل ذو صحة نفسية

نصائح لإنشاء جيل هادئ مقالات مجلة فوياج الإلكترونية
تم النشر في يونيو 9, 2019

بقلم الطبيب توم نعمي – مختص في علم النفس السريري

لقد أصبح التوتر والإجهاد لدى المراهقين سمة بارزة لديهم، وكأنها من خصائص العصر الحديث. ولكن في المقابل، تتزايد المخاوف على الصحة العقلية لديهم. فما هي أسباب هذه الظاهرة، وكيف يمكن للاهالي من إعداد جيل قادر على مواجهة العالم الجديد؟

من الواضح أن أكبر تحوّل يواجهه المراهقون هو ظهور وسائل الإعلام الرقمية والتقنيات المحمولة. وبالرغم من فوائد ما سبق، إلا أنه تسبب بمشاكل لم تكن تواجهها الأجيال السابقة.

فمثلا، في الوقت الذي كان فيه الأطفال سابقا يقارنون أنفسهم بزملائهم في المدرسة، أصبح جيل اليوم يقارن نفسه بأطفال على مستوى العالم وبشكل غير محدود، وذلك من خلال التفاعل على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي. وهذه المقارنة الرقمية تختلف عن تلك الواقعية. لأنها تجعل من الأطفال وخاصة المراهقين ضحية لمقارنة غير عادلة ومنحازة مما يزيد لديهم الشعور بعدم الرضا عن أنفسهم. والسبب بالتأكيد هو أن ما يظهر على وسائل التواصل الاجتماعي ليس حقيقي تماما. من الأمثلة على ذلك، شكل الجسم وأسلوب الحياة والشعبية والنجاح.

وبالتالي، تعد هذه المعايير عير الواقعية لما يجب أن نكون ولما على حياتنا أن تكون، إلى جانب السعي الدؤوب لتحقيق أهدافا مستحيلة، وصفة للتوتر وغيرها من المشاكل النفسية. وهذا ما يعاني منه جيل اليوم. فمثلا، يزداد الضغط النفسي لدى أحدهم عند محاولته لإنجاز شيء ما يفوق قدراته، سواء كان ذلك في المجال الأكاديمي أو الرياضي، أو حتى عند الحكم على نفسه. هذا غير عن عدم الشعور بالأمن العام.

وهذا التحوّل سبب الارتباك لدى الأهل، كونهم غريزيا يتوجهون نحو حماية أطفالهم من تلك الوسائل الاجتماعية، إلى جانب النزاع مع طبيعة المراهقين، والمعروفة منذ القدم، في محاولته للتأقلم مع العصر الجديد ومتطلباته.

لماذا المثالية مشكلة؟

إن محاولة الوصول إلى المثالية تعيق عملية الإنجاز لدى الأطفال والمراهقين. كونها تسبب لصاحبها الخوف من المجازفة. حيث الطامح نحو الكمال يرغب دوما بالشعور بالراحة وبالقدرة في التحكّم بشؤون حياته، وبالتالي يرى في الأخطاء والفشل أمورا فظيعة. كما يرتبط شعوره بالقيمة بنتائج أعماله؛ سواء كانت درجات مدرسية، أو أداء في الرياضة، أو حتى في شكل الجسم ووزنه. ولذلك تعد التجربة في المدرسة أو الرياضة أو حتى الجمال أمورا تسبب له الانزعاج والحزن. ونجد أن أكثر ما يعاني منه المراهق المثالي له علاقة بشعوره بقيمة نفسه.

هل أسلوبك في التربية يزيد من هذا التوتر؟

المثالية عدو خفي. إذ يتخفى في الجد والاجتهاد. ويمكن للأهل تعزيز ذلك دون قصد منهم حتى وإن وصل إلى حالة غير صحية. وهناك بعض الأهالي ممن يدرك بالضغط النائج عن المنافسة العالية، لكنهم لا يعرفون ما الذي عليهم فعله تجاه ذلك. فنزعتهم الطبيعية تسير نحو حماية أطفالهم ومساعدتهم وحل مشاكلهم بالنيابة عنهم. ومنهم من يشارك أبناءه في الجدّ ويدعمهم بشكل مبالغ فيه لتحقيق أهدافهم. وهذا كله ناتج عن الحب والنوايا الحسنة. ولكن عندما يساعدون الأهل أطفالهم بشكل أكثر من اللازم، فإنهم يعيقون نموهم النفسي.

ما الذي على الأهل فعله؟

هناك حقيقة بديهية في علم النفس مفادها ان ما تركّز عليه، يتضخّم في وعيك. وعند التركيز على الجهد والتعلّم بدلا من النتائج، فإن الأهل في هذه الحالة يرسلون رسالة ضمنية أن النتائج ليست كل شيء. فالجهد هو ضمن نطاق سيطرتنا، والتعلّم هو دوما ذو فائدة وبغض النظر عن نجاحنا أو فشلنا.

وهناك العديد من الأشياء التي تجعل من أي شخص ذو قيمة. وفي حال لم نضع كل بيضنا في سلة واحدة، أي النجاح الأكاديمي والشكل الجذاب والشعبية، فإننا لن نتأثر حال لم يسر جانب من الحياة كما أردنا. لذلك على كل الأهالي تحديد الأوقات التي يمضيها أطفالهم على الأجهزة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي. وهذا من شأنه تقليل التركيز على عالم السيلفي وعلى الحصول على الإعجابات، مما يوفر مساحة لعدم الكمال، والمشاركة والقبول في العالم الواقعي.

المعنى الحقيقي للحب القاس

يجب أن تكون الأخطاء والصعوبات والانزعاج أمرا مقبولا. فالأطفال ينشأ لديهم نوع من الحماية من القلق بشكل طبيعي عندما ينخرطون في مختلف التحديات، وعند التعلّم بالشعور بالراحة عند الانزعاج، وعند رؤية الفشل كوسيلة للتعلّم وليس كارثة. وهذه هي الوصفة لإنشاء جيل يتمتع بصحة نفسية: الحرية لقبول التحدي بطريقة مناهضة للكمال، مع دعم ومساعدة الأهل دون محاولة لأي إنقاذ أو التدخل بشكل مبالغ فيه أو تجنّب الخوض في الأمور الصعبة.

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر مجلة فوياج الإلكترونية