مجلة فوياج الإلكترونية

رئيسة التحرير: إشراق كمال عرفة

هل التطعيم آمن؟ ما عليك معرفته عن الزئبق والألمنيوم وغيرها من السموم

هل التطعيم آمن مقالات مجلة فوياج الإلكترونية
تم النشر في يونيو 5, 2019

بقلم الطبيبة آن روها

باراسيلسوس هو مفهوم في علم السموم يعني أن الجرعة تصنع السم. ما يذكّرنا أن كافة المواد الكيميائية سامة لجسم الإنسان، لكن بحسب الجرعة. فمثلا، يمكن للماء أن يقتل الإنسان إن شرب منه كميات تفوق حاجته. وحتى الملح يمكن أن يكون سلاحا قاتلا حال تم تناوله بكمية كبيرة. ومن المهم معرفة أن تحوّل المادة الكيميائية إلى سميّة لا علاقة بطبيعتها؛ أي أن تكون طبيعية أو تم تصنيعها.

مثلا، هناك مادة الريسين. وهي مادة كيميائية طبيعية موجودة في حبات نبات الخروع. وهي مميتة حال تم تناولها بكميات قليلة. بالمقابل، هناك العديد من المواد الكيميائية الصناعية التي تدخل في صناعة الأدوية والمكملات الغذائية التي لن يكون لها أثر سمي إلا حال تم تناولها بكميات كبيرة. 

هذه العلاقة بين الكمية والسميّة تنطبق أيضا على جرعات التطعيم. ما يدحض ادعاءات المناهضين للتطعيم على أنه سام. وهذه المجموعات كانت موجودة منذ تاريخ التطعيم. وكانت ادعاءاتهم حوله مختلفة في كل فترة زمنية. فمثلا، تركّزت مخاوفهم في العصر الحديث على مادة الثيميروسال، وهو مادة حافظة تحتوي على الزئبق. وزادت هذه المخاوف حول علاقة الزئبق الموجود في لقاحات التطعيم بالتسمم بعد دراسة تم نشرها في مجلة لانسيت عام 1998، وهي ذاتها التي ربطت بين التوحّد ولقاح الحصبة. وتبيّن لاحقا أنه لا يمكن إعادة نتائج الدراسة. كما تم اكتشاف انتهاكات أخلاقية في الدراسة ومعلومات مضللة أدت بالنهاية إلى سحب الدراسة من المجلة. كما خسر صاحب الدراسة رخصة مزاولة مهنة الطب. 

لقد أثبتت سنوات من البحث وبشكل قاطع عدم وجود أي علاقة بين التطعيم والتوحّد. ولكن من الصعب إزالة الضرر الذي تسببت به تلك الدراسة، والتي انتشرت بشكل واسع. ولكن تمّت إزالة المادة الحافظة الثيميروسال منذ ذلك الوقت من كافة اللقاحات تقريبا. وهذا ما دفع لمناهضي اللقاح إلى الادعاء بأن بقية المواد الكيميائية الموجودة فيه سميّة، وخاصة الألمنيوم والفورمالديهايد.

ولكن هذه المزاعم يدحضها مفهوم الباراسيلسوس الذي وضّحناه بداية المقال. إذ يتم استخدام الفورمالديهايد أثناء تصنيع اللقاح لتعطيل السموم، وأي كمية تبقى منه بعد ذلك تكون ضئيلة جدا وأقل مما هي موجودة في جسم الإنسان طبيعيا. وكان لذكر هذه المادة مرعبا لارتباطها بمرض السرطان. ولكنها تسبب ذلك حال تم استنشاقها بكميات كبيرة ولفترات طويلة، كما لو كان الحال في بيئة عمل ما. ومادة الفورمالديهايد موجودة بكميات قليلة في أجسامنا وفي طعامنا كجزء من عملية الأيض الطبيعية. وأي كمية منها تبقى في اللقاح بعد التصنيع تكون ضئيلة جدا وأقل من تلك الموجودة في جسم حديث الولادة، أي أنها غير خطرة.

وهذا الشيء مشابه لمادة الألمنيوم. فهو يتم استخدامه في اللقاح لزيادة استجابة الجسم المناعية للقاح. والكمية فيه أقل من تلك الموجودة طبيعيا في جسم الإنسان. وفي العصر الحديث، يمتص جسدنا الألمنيوم من البيئة المحيطة أكثر من الموجود في اللقاح.

لقد نجحت الادعاءات حول سمية المطاعيم في إثارة الارتباك وعدم اليقين لدى الأهالي. ونحن نسمع عن السم والتسمم تقريبا بشكل يومي في مختلف وسائل الإعلام. ومن الصعب حينها معرفة ما يجب الأخذ به وما علينا مجرّد تجاهله. ولهذا السبب نحاول جميعا تجنّب التعرّض للسموم كإجراء وقائي، حتى لو ثبت أن مقدار تأثيره علينا ضئيلا أو حتى معدوما. وهذا إجراء منطقي، إلا في حالة أصبح ضرره أكثر، مثل الامتناع عن وضع واق الشمس أو تلقيح الأطفال.

ولكن للأسف، هناك شركات كبيرة تهدف إلى كسب المال من خلال ما يسمى بإزالة السموم. ويتم الترويج لها من قبل العاملين في القطاع الصحي، ومنهم من يروّج لسمية اللقاحات وحتى لتلك المتعلقة بالبيئة المحيطة في أي مكان. حتى أن منهم من يطلب من الناس تعبئة استبيان حول السمية، مما يزيد من مخاوفهم حول ذلك، وعندها يتم الترويج لمختلف الفحوصات التشخيصية. ويتطوّر الأمر إلى التلاعب بنتائج تلك الفحوصات لأجل المال. وذلك من خلال الترويج لمختلف المكملات الغذائية الخاصة بهم أو منتجات تم تصنيعها خصيصا لتنظيف الجسم من السموم كما يدعون، وغيرها. وجميعها تستنزف أموال الناس.

ومن المهم معرفة أن تعرّض المرء لمادة ما في البيئة لا يعني أنه تعرّض للتسمم. ولكن للأسف كان ضحايا تلك الاختبارات والمواد المطهّرة للجسم هم من المتوحدين من الأطفال، والذي تم الترويج لذويهم أن سبب إصابتهم هو وجود الزئبق لديهم الموجود في لقاحات التطعيم. ولهذا من المهم معرفة مقولة في الطب مفادها: القصص ليست بيانات.

يطوّر البالغون اهتمامهم بالصحة عبر الوقت. ويكون سبب المرض أحيانا واضحا وأحيانا غير معروف. والتوحّد على سبيل المثال، يعّد حالة معقدة وغير واضحة تماما. وهناك من يصاب بالمرض من الأطفال بعد اللقاح، ولكن لا يعني ذلك أن اللقاح قد تسبب به.

لقد بيّنت الدراسات أن التطعيم آمن. وهو يمنع من انتشار أمراض تهدد الحياة. ولذلك على كل أهل عدم التردد في إعطاء اللقاح لأطفالهم، لحمايتهم ولحماية المجتمع من حولهم. وفي حال اقترح عليك أحد العاملين في مجال الصحة اجراء فحوصات باهظة التكاليف للتأكد من عدم تعرّضك للتسمم، اسأل رأي آخر ومن خبير في السموم. وذلك لتتجنب استغلالك من تلك الفئة المنتشرة بشكل كبير في وقتنا الحالي.

المقالات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر مجلة فوياج الإلكترونية